الأصل براءة الذمة

من القواعد المهمة والأصول العظيمة التي اهتمت بها الشريعة قاعدة الأصل براءة الذمة؛ لإنها تهدف إلى حفظ الحقوق من الاعتداء وصون الحرية الشخصية للأفراد، فقواعد الشريعة تتشوف دائما لتحقيق العدالة وإرساء الحقوق وفق موازيين الإنصاف وقيم العدل
القواعد الشرعية. القواعد الشرعية هي أصول جامعة ومبادئ راسخة يرتكز عليها القضاء لتحصيل مصالح العباد وحفظ حقوقهم؛ فالقواعد تضبط الأمور المنتشرة المتعددة وتنظمها في سلك واحد، وتمكن غير المتخصصين في علوم الشريعة كرجال القانون، من الإطلاع على الفقه، بروحه ومضمونه بأيسر طريقة
مصدر قاعدة الأصل براءة الذمة. هذه القاعدة اهتمت بها كتب أصول الفقه الإسلامي وأدرجتها تحت باب الاستصحاب، وهو استصحاب الأصل، وسأضرب مثالًا يشرح ذلك، فالأصل في المياه الطهارة سواء كات مياه أمطار أو بحار أو غيره،، ولا يعدل عن ذلك بالشك وهنا استصحبنا الأصل وهي طهارة المياه؛ وهذه القاعدة أصل ومقصد عظيم لتظافر الأدلة عليها التي تستصحب البراءة الأصلية للإنسان والتي لا يعدل عنها إلا بدليل قطعي فالحكم الثابت بالدليل يبقى ثابتًا ما لم يرد دليل يرفعه فلا يزيله احتمالات ليس لها ما يبررها
وقد روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر” حديث حسن
معنى القاعدة. وهذا الحديث يؤكد وبشكل واضح وصريح أن الأصل براءة الذمة وانشغالها عارض يترتب عليه عبء الإثبات على من يدعي عكس ذلك؛ فما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين، مقصدي هنا هو توجيه الضوء لمبدأ عظيم قررته الشريعة بوصفه أحد الدعامات الرئيسية لتحقيق العدالة وضمان الحقوق للمجتمع بشكل عام وللمتقاضين بشكل أخص؛ فالأصل البراءة الأصلية والمقصود بالبراءة نفي الالتزام والمسؤولية عن الذمة
تعزيز مبدأ براءة الذمة كمعنى شمولي ومقصد شرعي يندرج ضمن السعي لتنمية وعي المجتمع بالنظام القضائي والتشريعات القضائية وكيفية صدورها وحرص النظام القضائي على دراسة الأدلة وفحص البينات قبل تكييف الواقعة وتنزيل الحكم وعدم رمي التهم جزافاً حتى تتشكل الصورة النهائية للحكم عليها
وتعزيز هذه المبادئ القضائية ليست مسؤولية الجهاز القضائي فحسب؛ بل هي مسؤولية المجتمع وخاصة المهتمين بالمجال الحقوقي، من أجل الوصول إلى أعلى مستويات العدالة التي ينشدها الجميع

1 انظر كتاب المدخل لدراسة التشريع الإسلامي للدكتور عبدالرحمن الصابوني 1/269
2 رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه في الصحيحين
3 انظر كتاب الأشباه والنظائر للسيوطي صـ61
4 انظر كتاب قواعد الأحكام في مصالح الأنام لابن للعز ابن عبدالسلام 2/26
عبدالله التركي